واصف جوهرية
27
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
في البلاد وبهذه الطريقة وغيرها كانت البطريركية الأرثوذكسية بالقدس متمتعة بكسب عطف الحكومة بأسرها بل أقولها صراحة بأن البطريركية كانت حكومة ضمن حكومة ، ولها الخيار بعمل ما تشاء فزاد نفوذها وزادت في شراء الأراضي من أهلها المدنيين والفلاحين على السواء وابتدأت ببناء الأملاك والأسواق في مدينتي القدس ويافا تلك الأملاك التي لها موارد كبيرة سنويا لوقف دير الروم ليومنا هذا . هذه صورة مصغرة للعلاقة المتينة التي كان يتحلى بها والدي مع الأسرة الحسينية الكريمة بالقدس فأصبح لحسن حظه زمن الحاج سليم أفندي الحسيني وكأنه من آل الحسيني وهكذا نشأنا أنا وإخواني نترعرع في الإصطياف في القرى العائدة لهذه العائلة وأخصها بيت سوسين كما سيجيء البحث عنه في حينه من هذا الكتاب . وإني أحتفظ بفنجانين قهوة مع الصحون من القيشاني القديم المنزّل بالذهب كذكرى كان والدي يقوم بهما ، القهوة في بيتنا خاصة إلى المرحوم البطريرك ذميانوس فكان هذا البطريرك عند زياراته لوالدي يصعد إلى السطح الذي أشرت إليه من دار الجوهرية ليتمتع بمشاهدة منظر القدس الجميل النادر . ومن جملة حسنات وثقة المغفور له الحاج سليم الحسيني ولاعتقاده بأن والدي له ذوقا سليما في كل ما أسند إليه من مسؤوليات سلمه المنتزه البلدي ( المنشية ) عند إنشائها مع البناء في وسطها وقد خصص غرفة علوية إلى سعادة متصرف القدس وبجانبها غرفة خاصة للوالد الذي كان يشرف على المنتزه بأكمله ويوجد مخزن كبير لحفظ أوائل الزينة من أعلام وفوانيس وغيره وهذا المنتزه وأشجاره وزراعته وبركه ونافوراته كانت كلها من تصميم المرحوم والدي وكان مساحتها في أول الأمر لغاية الطريق المؤدية إلى راهبات المحبة وقد أقيمت قاعدة فوق سطح البئر للماء في منتصف المنتزه مسقوفة بالخشب والزينكو المزخرف ومن حولها مقاعد خشبية ثابتة لفرقة الموسيقى العسكرية للدولة فكانت تحضر هذه الفرقة بعد ظهر أيام الجمعة والسبت والأحد من كل أسبوع وتشغف آذان الشعب والجيش والحكومة ويكون غالبا سعادة المتصرف مع والدي يتمتعا بمشاهدة هذه الاحتفالات من ساحة غرفة المتصرف بالطابق العلوي من البناء . وكان والدي يشغل الطابق الأرضي كمقهى عربي تستعمل فيه القهوة والأركيلة للجموع تحت الأشجار وعلى رأس هذا المقهى أبو حسن وبجانب هذا المقهى باريديره رجل يوناني واسمه أرستيدي والد الآنسة نينا خليلة المطران إبيفانيوس في يومنا هذا « 1 » مع العلم أن والدي لا يدفع شي للبلدية بالنسبة إلى ذوقه السليم ونفوذ الحاج سليم الحسيني رحمهما المولى . [ وقد ] وقف الحال « 2 » مرة مع والدي وكان دخله لا يفي ما يتطلبه البيت من اللوازم الضرورية وقد أقبل عيد الفصح المجيد ودخلنا في أسبوع الآلام والوالدة تطلب الطلبات من أكل ولبس للبنات والأولاد ليكونوا أسوة بالمعارف والجيران وخصوصا في بهجة العيد ولم تعلم حالة والدي المادية وقتئذ وما وصلت إليها من العوز وكانت العائلة مؤلفة من إحدى عشر شخصا والدي ووالدتي وعمتي والأولاد سبعة وسلطانة اللنجي التي كانت تساعد الوالدة في تربية الأولاد في ذلك الوقت .
--> ( 1 ) " في يومنا هذا " - لم نستطع معرفة تاريخ كتابة هذا القسم من المذكرات وإن كانت الإشارة من الفحوى تبدو إلى بداية عهد الإنتداب ( 2 ) " وقف الحال " - سائت الظروف